الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

12

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مستعملا في حقيقته . وبهذا الوجه فسر جمهور المفسرين . ويجوز أن يراد بالبأس الشديد ما يشمل بأس عذاب الآخرة وبأس عذاب الدنيا ، وعلى هذا درج ابن عطية والقرطبي ، ويكون استعمال من لَدُنْهُ في معنييه الحقيقي والمجازي ، أما في عذاب الآخرة فظاهر ، وأما في عذاب الدنيا فلأن بعضه بالقتل والأسر وهما من أفعال الناس ولكن اللّه أمر المسلمين بهما فهما من لدنه . وحذف مفعول لِيُنْذِرَ لدلالة السياق عليه لظهور أنه ينذر الذين لم يؤمنوا بهذا الكتاب ولا بالمنزل عليه ، ولدلالة مقابله عليه في قوله : وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ . وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ( 2 ) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ( 3 ) عطف على قوله : لِيُنْذِرَ بَأْساً ، فهو سبب آخر لإنزال الكتاب أثارته مناسبة ذكر الإنذار ليبقى الإنذار موجها إلى غيرهم . وقوله : أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً متعلق ب يُبَشِّرَ بحذف حرف الجر مع ( أن ) ، أي بأن لهم أجرا حسنا . وذكر الإيمان والعمل الصالح للإشارة إلى أن استحقاق ذلك الأجر بحصول ذلك لأمرين . ولا يتعرض القرآن في الغالب لحالة حصول الإيمان مع شيء من الأعمال الصالحة كثير أو قليل ، ولحكمه أدلة كثيرة . والمكث : الاستقرار في المكان ، شبه ما لهم من اللذات والملائمات بالظرف الذي يستقر فيه حالّه للدلالة على أن الأجر الحسن كالمحيط بهم لا يفارقهم طرفة عين ، فليس قوله : أَبَداً بتأكيد لمعنى ماكِثِينَ بل أفيد بمجموعها الإحاطة والدوام . [ 4 ، 5 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 4 إلى 5 ] وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ( 4 ) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً ( 5 ) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ( 4 ) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ . تعليل آخر لإنزال الكتاب على عبده ، جعل تاليا لقوله : لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ [ الكهف : 2 ] باعتبار أن المراد هنا إنذار مخصوص مقابل لما بشر به المؤمنين . وهذا إنذار بجزاء خالدين فيه وهو عذاب الآخرة ، فإن جريت على تخصيص البأس في قوله : بَأْساً شَدِيداً [ الكهف : 2 ] بعذاب الدنيا كما تقدم كان هذا الإنذار مغايرا لما